Translate

السبت، 2 ديسمبر 2017



الآثار السلبية للمخدرات على الأمن الوطني*
                    
          أصبحت مشكلة المخدرات في الوقت الحاضر ذات أبعاد سياسية وعسكرية وهي إحدى الوسائل المستخدمة من قبل العديد من الأجهزة الإستخبارية والتي تهدف إلى إحداث التفكك الاجتماعي والتحلل الخلقي والقيمي في المجتمع ، فضلاً عن توظيفها كسلاح بين الدول في مختلف الأوقات . وهنالك الكثير من الشواهد التاريخية التي تدل على ذلك إذ أُستخدم سلاح المخدرات لأول مرة في التاريخ من قبل التتار الذين أغاروا على بلاد المسلمين بعد أن عرفوا تأثير الحشيش في سلب إرادة متعاطيه فاستخدموه سلاحا مدمرا للنفوس وقاموا بترويجه في المجتمع العربي . وأمر الظاهر بيسرس في معركة عين جالوت أثناء ملاقاة جيوش التتار بحرق الحشيش في مصر كي يكون المقاتلون في وعيهم وصحتهم لمواجهة العدو. أما في العصر الحديث فقد لعب العدو الإسرائيلي دوراً كبيراً في ترويج المخدرات بين صفوف المجتمع العربي من أجل تبديد طاقات الشعوب العربية وإضعافها في مواجهته . كما قامت  بريطانيا بتشجيع زراعة الأفيون والشاي في الهند وتصديرهما الى الدول المجاورة .  وخاضت مصر في خضم المخدرات معارك طويلة مع الاستعمار الانكليزي الذي عمد الى ترويج الحشيش بين صفوف المجتمع المصري . وقامت إسرائيل بزراعة المخدرات وتهريبها الى الدول العربية في أواخر ستينيات القرن الماضي حيث فتحت أبوابها للمهربين وكانت  أراضيها جسراً لتهريب الأفيون التركي والحشيش اللبناني عبر البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء . كما قام العدو الإسرائيلي خلال الأعوام 1972 ـ 1974 من استيراد(207) طن من بذور الخشخاش لزراعتها واستخراج الأفيون منها وتهريبها الى الدول العربية ،وقيامه بتحويل مزارع العنب والتبغ في الجنوب اللبناني المحتل الى مزارع للمخدرات ، فضلا عن قيامه بإغراق الضفة الغربية وقطاع غزة بالمخدرات وتسريب كميات كبيرة منها بين أوساط الشباب وطلبة المدارس وتوزيعها مجاناً . ويتضح لنا من خلال ذلك أن هناك أبعاد سياسية لتجارة المخدرات وذلك بقيام إسرائيل بتهريب المخدرات الى الدول العربية بهدف إشاعة الفساد فيها ، واستخدام المخدرات كسلاح في ميدان الصراع العربي الإسرائيلي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا من خلال نشر هذه السموم بين صفوف أبناء المجتمع وزعزعة الأمن والاستقرار فيها .

وعلى صعيد العراق فان كمية المخدرات المهربة إليه وأعداد المتورطين فيها تشير بحسب تقديرنا الى أن العراق أصبح هدفاً لترويج المخدرات بهدف تدمير بنية المجتمع الداخلية ، ولعل ما يزيده خطورةً ذلك أن العراق يشترك بشريط حدودي مع أخطر دول المخدرات في المنطقة وهي تركيا وإيران ، وهذا الأمر يضعنا أمام مسؤوليتنا الوطنية والإنسانية والدينية بوجوب التصدي لهذه المشكلة وحماية المجتمع قبل أن تستفحل هذه المشكلة ولاسيما ان مكافحة المخدرات والمسكرات أصبحت اليوم بمثابة دفاع وطني وديني ضد أعداء العراق . ولقد ذكر مكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة بأن العراق أصبح محطة رئيسية لتهريب المخدرات الى دول الخليج وأوربا الشرقية .وأعلنت وزارة الصحة العراقية على لسان مدير برنامج مكافحة المخدرات فيها عن حدوث عدد من حالات الوفاة الناجمة عن تعاطي المخدرات واغلبها حدثت في محافظة كربلاء بعدها تأتي محافظات ميسان وبابل وواسط ، فيما سجلت الإحصائيات وجود أكثر من 6037 متعاطياً للمخدرات بنوعياتها المختلفة في عموم المحافظات سجلت محافظة كربلاء 679 متعاطياً وميسان  286 في حين وصل عدد المدمنين على المخدرات في محافظة بغداد 717 فيما سجلت محافظة كركوك 240 متعاطياً ،وذكر أحد أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات في العراق بأن ما خلفته الحرب من أوضاع أمنية هيأ فرصة لتجارة المخدرات الداخلية والخارجية مستغلة كثرة العصابات والجماعات المسلحة لتنشيط حركة مافيا المخدرات وجعل العراق محطة ترانزيت نحو دول الخليج ودول إقليمية أخرى ، فضلاً عن تكوين سوق حرة داخلية نجم عنها تحويل مشكلة الإدمان على المسكرات والعقاقير المهدئة الى المخدرات ، وهناك دلائل تشير الى تحول طريق الحرير القادم من شرق آسيا المار عبر العراق الى طريق للمتاجرة بالمخدرات من قبل عصابات منظمة متخصصة لها ارتباطات واسعة مع العالم وتستخدم مافيا المخدرات ممرين رئيسيين في العراق مستفيدة من وجود ثغرات واسعة في حدوده وهي مفتوحة وغير محروسة ، فالممر الأول تستخدمه العصابات الأفغانية والإيرانية عبر الحدود الشرقية التي تربط العراق بإيران ،أما مافيا تهريب المخدرات من منطقة وسط آسيا فتستخدم الممر الثاني الذي يسير عبر كردستان وصولاً الى أوربا الشرقية ، فضلا عن استخدام الممرات البحرية الواقعة على الخليج العربي والتي تربط دول الخليج مع بعضها .وقد أصبح العراق منطقة توزيع وتهريب إذ يوجه معظم تجار المخدرات في شرق آسيا بضاعتهم الى العراق ومن ثم تشحن الى شمال العراق حيث تركيا والبلقان وأوربا الشرقية والى الجنوب والغرب حيث دول الخليج العربي وأفريقيا .  فقد ضبطت قوات الحرس الوطني وقوات الشرطة في محافظة كربلاء كميات كبيرة من المخدرات قدرت أثمانها بعشرين مليون دولار في داخل حصن الأخيضر الذي يقع على بعد 30كم من مدينة كربلاء كانت في طريقها الى الحدود باتجاه السعودية ، كما ضبطت شرطة محافظة بغداد سيارة محملة بنصف طن من الكوكايين في منطقة التاجي . ومن خلال ماورد نلاحظ ان مشكلة المخدرات أخذت بالتصاعد وان كميات من الكوكايين والهيروين والماريغوانا بدأت بالتدفق الى العراق من دول عديدة  وأن مدينة العمارة والمناطق القريبة منها باتت تشكل محطات للتوقف لتجارة المخدرات . أن استمرار تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب ستزيد من الوضع الأمني داخل العراق إذ يدفع المدمنين على المخدرات إلى ارتكاب الجرائم المتنوعة منها قيام العصابات المسلحة التي تضم بعض المدمنين في صفوفها باقتحام الصيدليات والاستيلاء على ما تحويه من مواد مخدرة وعقاقير الأمراض النفسية والعصبية .وأشار مصدر في مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية والعصبية ان حالات الإدمان زادت بنسبة 75 % حيث يستقبل حالات الإدمان على المخدرات وحبوب الهلوسة وأغلبهم من الشباب ، وقال المصدر ان بعض المراهقين والأطفال يقومون بشم ماد مخدرة بدائية عالية السمية مثل السيكوتين والبنزين والأسيتون وغيرها وهؤلاء بأعمار تتراوح 12 ـ 18 سنة .  وشاع في الأوساط الصحية العراقية أن بعض جنود قوات التحالف في العراق يتعاطون المخدرات ويروجون لها إذ تم إتلاف أكثر من 800 كغم من المخدرات المرسلة من وزارة الداخلية بعد دخول قوات التحالف . وحذرت تقارير المنظمات الدولية ومنها منظمة اليونيسيف من استغلال الأطفال والنساء في ترويج المخدرات ، وذكرت بأن نتائج الحروب هي أخطر من الحروب نفسها لأنها دائماً ما تكون كارثة حيث تخلف ورائها الأيتام والأرامل والفقر والأمية والبطالة. وتتخذ بعض هذه الفئات من تعاطي المخدرات ملاذاً وهميا للهروب من اليأس والإحباط والمستقبل المجهول لهم. كما ذكر تقرير منظمة اليونيسيف أن مشكلة المخدرات في العراق آخذة في التزايد حيث حصلت زيادة أعداد الأطفال المدمنين سنة 2009 عن السنة التي قبلها بـ 10% وأن أعمارهم أقل من 12 سنة . وتطلب هذا الأمر من الجهات التشريعية والتنفيذية إعداد قانون لمكافحة المخدرات في العراق يتضمن التعريف بالمخدرات والقانون الخاص بتعاطيها والمواد ذات التأثير العقلي على الإنسان . وعلى الرغم من ذلك فان الأجهزة الأمنية بإمكانياتها المحدودة فإنها تبذل جهود حثيثة في القاء القبض على المجرمين من المروجين والمتعاطين للمخدرات والحبوب ، فقد تمكنت مفارز الأمن الاقتصادي التابعة إلى وزارة الأمن الوطني بالتعاون مع أجهزة وزارة الداخلية من إلقاء القبض على شبكة لتهريب المخدرات بين العراق وسورية والسعودية والتي تتخذ من منطقة النخيب الحدودية مقراً لها وبحوزتها كمية من المخدرات والحبوب الصغيرة وإحالة أعضاءها إلى المحاكم المختصة. كما ذكرت جريدة الجيران الالكترونية على موقعها بأن مكتب مكافحة المخدرات في محافظة المثنى ضبط آلاف الحبوب المخدرة بألوان ألسمائي الدموي والوردي ذات المنشأ الإيراني وإلقاء القبض على عدد من المتاجرين فيها ، إذ تم ضبط 150 شريطاً كل شريط يحوي 20 حبة من النوع الوردي و650 شريطاً من النوع ألسمائي الدموي كل شريط منها يحوي على 10 حبات وهي ذات منشأ إيراني ، كما تم ضبط كمية أخرى مكونة من 1860 شريط يتضمن أنواع الوردي وألسمائي الدموي ،وضبط كمية تتكون من 1500 شريط  وقد تم إلقاء القبض على المتاجرين فيها ، فضلاً عن ضبط 5 كغم من الحشيشه و2 كعم من الكوكايين وآلاف الحبوب المخدرة من قبل قات حرس الحدود في بادية السماوة في نيسان من عام 2009 عند الحدود السعودية والقاء القبض على أربعة من المهربين .وذكر موقع وزارة البيئة في حكومة إقليم كردستان عن انتشار زراعة المخدرات  منها زراعة الخشخاش في بعض مناطق محافظة ديالى الذي يصنع منه الهيروين ،وان الذي يشجع على ذلك هو المردود المادي منها للمزارعين بدلا من زراعة المحاصيل التقليدية وقد ساعد على زراعة الخشخاش وإنتاجه في مناطق خصبة في محافظة ديالى  بعض الأفغانيين وتقع هذه المزارع في مناطق بهرز تحت أشجار البرتقال وبينها مع بعضها البعض  وفي السعدية وجنوب بلدروز والخالص .كما كشفت بعض الصحف وجود مزارع للخشخاش بالقرب من الديوانية تمول من قبل المهربين الذين كانوا يجلبوها في السابق من أفغانستان إلى السعودية ودول الخليج العربي . وتنتشر مزارع الخشخاش حول مدن العمارة والمجر الكبير والعزير . وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقاريرها عن مزارع خاصة لزراعة المخدرات في مناطق جنوب العراق ويتم بيع المحصول الى دول الخليج العربي عن طريق مدينة السماوة .              
*(الآثار السلبية للمخدرات والمسكرات ومخاطرها على الأمن الوطني العراقي ) 
دراسة اعدها ( ا.د.صفاء جاسم محمد ، أ.م.د.ابراهيم كاظم فرعون ، م.م.عماد عبد حمزه ) .  
 جامعة المثنى / كلية التربية 2009 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق